أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
مقدمة 16
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
ما كان يمتلكه من كفاءة غير عاديّة ، ودأب قلّ له نظير ، جعل منه عالماً متعمّقاً في ألوان الفنون ، ولم ينحصر ذهنه البحّاث ورؤيته الثاقبة في آفاق علوم الحوزة المتداولة ، بل أحاط بالبحث والتحقيق كلّ موضوع يليق بمرجع ديني كبير في عالمنا المتنوّع المعاش ، خالقاً من ذلك الموضوع خطاباً جديداً ، وفكراً بكراً ، وأثراً خالداً . درّة علم وبحث ، وكنزٌ إنسانيٌّ لا نفاذ له ، لو بقي ولم تتطاول إليه اليد المجرمة لتخطفه من الحوزة العلميّة ، لشهد المجتمع الشيعي خاصّة ، والإسلامي عامّة ، في المستقبل القريب ، تحليقاً آخر في سماء المرجعيّة والزعامة العلميّة والدينيّة . الشهيد آية الله الصدر هو دونما شكّ أسوة وقدوة للطلّاب والفضلاء الشباب ؛ دروسه في بناء الإنسان لم تنته بشهادته المفجعة ، ومنهجه في البحث ماثل أمام الفضلاء الشباب في الحوزة العلميّة ، وإشارة إصبعه توجّههم إلى طريق العظمة والمجد العلمي ، مقروناً بالتفتّح والرؤية العلميّة . الحوزات العلميّة اليوم بحاجة أيضاً إلى الشهيد الصدر ، وإلى كلّ عنصر فيه من الهمّة والطاقة ، ما يساعدهم على متابعة طريقه العلمي ، ورؤيته الإسلاميّة ، ونظرته العالميّة . صلاةً وتحيّةً من الأعماق أبعثها إلى تلك الروح الطاهرة ، وإلى أخته الشهيدة المظلومة بنت الهدى ، سائلًا الله سبحانه وتعالى الرحمة وعلوّ المنزلة لهما ، وتوفيق نموّ الفضلاء الشباب في الحوزات وتربيتهم على هذا النحو . السيّد علي الخامنئي 21 شوّال 1421 ه - » « 1 » . - 7 - « كان أحد أصدقائنا يقول : . . . عندما كنتُ صغيراً . . كنتُ أرى الأطفال يتجمّعون حول القطار عندما يتوقّف ، وكانوا ينظرون إليه ولسانُ حالهم يقول : ما هذا المخلوق العجيب ؟ ! وكان واضحاً أنّه يحتلُّ في قلوبهم مكانةً ومنزلة ، وما دام متوقّفاً فقد كانوا ينظرون إليه بعين التعظيم والتكريم والاحترام والإعجاب . ولكن عندما تحين ساعة الانطلاق ، يأخذون بالهرولة إلى جانبه ليرشقوه بالحجارة . وكنتُ أعجب لهذا الأمر وأتساءل : إذا كان لا بدّ من رميه بالحجارة ، فلماذا لا يُرمى وهو ساكن ؟ ! وإذا كان جديراً بالاحترام ، فلماذا لا يكون له ذلك وهو يتحرّك ؟ ! لقد بقي هذا الأمر بمثابة اللغز بالنسبة لي ، إلى أن كبرت ودخلت المجتمع ، حيث وجدت أنّ حياتنا [ ] تخضع لهذا القانون المطّرد ؛ فإنّ أيّ شخص وأيّ شيء ، طالما هو ساكن فهو محترم ، طالما هو صامت فهو معظّم ومبجّل ، ولكن بمجرّد أن يتحرّك يصبح بلا مُعين ، بل يصبح مرمىً للحجارة . . » « 2 » . مرتضى المطهّري . * * *
--> ( 1 ) من نداء الإمام الخامنئي إلى ( المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر ( قدس سره ) ) ( 2 ) احياى تفكّر اسلامى ( فارسي ) : 22 - 23 ، وما بين [ ] : « نحن الإيرانيّين » .